الغزالي

170

إحياء علوم الدين

وجاء رجل إلى إبراهيم بن أدهم رحمه الله ، وهو يريد بيت المقدس ، فقال : إني أريد أن أرافقك ، فقال له إبراهيم على أن أكون أملك لشيئك منك ؟ قال لا . قال أعجبني صدقك قال فكان إبراهيم بن أدهم رحمه الله إذا رافقه رجل لم يخالفه . وكان لا يصحب إلا من يوافقه وصحبه رجل شراك ، فأهدى رجل إلى إبراهيم في بعض المنازل قصعة من ثريد ، ففتح جراب رفيقه ، وأخذ حزمة من شراك ، وجعلها في القصعة ، وردها إلى صاحب الهدية . فلما جاء رفيقه ، قال : أين الشراك ؟ قال ذلك الثريد الذي أكلته أيش كان ، قال : كنت تعطيه شراكين أو ثلاثة . قال اسمح يسمح لك . وأعطى مرة حمارا كان لرفيقه بغير إذنه رجلا رآه راجلا . فلما جاء رفيقه سكت . ولم يكره ذلك قال ابن عمر رضي الله عنهما ، أهدي لرجل من أصحاب رسول الله صلَّى الله عليه وسلم رأس شاة ، فقال أخي فلان أحوج منى إليه ، فبعث به إليه ، فبعثه ذلك الإنسان إلى آخر فلم يزل يبعث به واحد إلى آخر ، حتى رجع إلى الأول بعد أن تداوله سبعة . وروى أن مسروقا ادّان دينا ثقيلا ، وكان على أخيه خيثمة دين ، قال فذهب مسروق فقضى دين خيثمة وهو لا يعلم ، وذهب خيثمة فقضى دين مسروق وهو لا يعلم . ولما آخى رسول الله صلَّى الله عليه وسلم [ 1 ] بين عبد الرحمن بن عوف وسعد بن الربيع ، آثره بالمال والنفس ، فقال عبد الرحمن ، بارك الله لك فيهما . فآثره بما آثره به ، وكأنه قبله ثم آثره به . وذلك مساواة والبداية إيثار ، والإيثار أفضل من المساواة . وقال أبو سليمان الدار انى : لو أن الدنيا كلها لي فجعلتها في فم أخ من إخواني ، لأستقللتها له . وقال أيضا إني لألقم اللقمة أخا من إخواني فأجد طعمها في حلقي . ولما كان الإنفاق على الإخوان أفضل من الصدقات على الفقراء ، قال علي رضي الله عنه . لعشرون درهما أعطيها أخي في الله ، أحب إلىّ من أن أتصدق بمائة درهم على المساكين وقال أيضا : لأن أصنع صاعا من طعام وأجمع عليه إخواني في الله ، أحب إلىّ من أن أعتق رقبة واقتداء الكل في الإيثار برسول الله صلَّى الله عليه وسلم [ 2 ] ، فإنه دخل غيضة مع بعض